يوتوبيا احمد خالد توفيق .. عودة الى اللامعقول

يقينا لم يكن احمد خالد توفيق يقرأ المستقبل او يطلع على الغيب . هو فقط اطلع على النوايا السيئة التي يكنها الحكم للشعب المصري . وكان خير معبر عن اللحظة التي عاشها وهي لحظة نهاية وانحلال الجمهورية المزيفة التي اسسها جمال عبد الناصر . والتي ارادها جمهورية فخرجت من تحت يده ملكية عسكرية يتوارثها الضباط . وبينما تطلق هذه المملكة زفرتها الاخيرة اعتنق حكامها سياسة المحافظين الجدد . والتى تسعى لالغاء الادوار الاجتماعية للدولة و الغاء الطبقة الوسطى و زيادة الاغنياء غنى و الفقراء فقرا . وقد قفز احمد خالد توفيق في روايته يوتوبيا الى النتائج النهائية لتطبيق سياسة المحافظين الجدد . فأقام عالمين الاول هو عالم من يملكون كل شئ ويعيشون في مدينة منعزلة ذات اسوار وتحصينات . والاخر هو عالم من لا يملكون اي شئ ويعيشون في خيام او بيوت خشبية في عشوائيات وخرابات بلا اي خدمات . اما الطبقة الوسطى فقد اختفت وعليه فهي غير موجودة على الارض في احد الاحياء او المدن مثل الطبقتين العليا والدنيا . ويقف هنا احمد خالد توفيق الابن البار للطبقة الوسطى يدق ناقوس الخطر للضحايا الذين على وشك السقوط في الهوة السحيقة . ويهيب بهم ان يتحركوا لايقاف هذا الجنون الذي اصاب الطبقة الحاكمة . انه سعار لا يمكنها البرء منه حتى ان البعض وصف سياسة النيوليبرالي بأن الرأسمالية قد بدأت تأكل نفسها . وارى ان الاصوب انها قد بدأت تأكل شعوبها .

وتكمن صرخة التحذير في رسم معالم الطبقتين والعالمين اللذان صنعتهما الرواية . فهما معا قد هبطا سلم الترقي الى اخر درجاته وغادرا الانسانية بلا امل في الرجوع . وتحولوا الى كلاب مسعورة تعيش بلا دين ولا اخلاق ولا قضية ولا تاريخ و لا ضمير ولا شرف . والناس في كلا العالمين يعيشون الحياة البيولوجية وحدها وتتحكم الغريزة في سلوكهم . و يمارسون الزنا والفحش والشذوذ وتعاطي المخدرات . بل و يمارسون القتل بدافع اللهو والمرح والمغامرة وكسر الملل بالنسبة للمترفين. وبدافع تمويل نفقات الطعام والمخدرات بالنسبة للمهمشين .

أحمد خالد توفيق
أحمد خالد توفيق

وقد استعان الكاتب بمذهب فلسفي ساد المسرح والادب عقب الحرب العالمية الثانية ويسمى اللامعقول . ووصف من خلاله الحياه الجنونية والعبثية لهاتين الطبقتين . حيث يعتمد هذا الاتجاه على توجيه صدمة تخرج المتلقي عن نطاق الحياة اليومية والسلوك المعتاد . ويعيش عالما وحشيا همجيا . حيث الانسان في ادب اللامعقول ليس هو الانسان النموذج بل انسان مبتذل في كل تصرفاته . واللامعقول هو شكل من اشكال الاعمال الفنية التي تجعل المتلقي محملقا منتبها من الدهشة والاستغراب . وهو يعد ابنا شرعيا للحرب العالمية الثانية واهوالها والتي بدت مثل لحظة جنون جماعي عاشتها البشرية فخلفت عشرات الملايين من القتلى والمصابين . وقتها كان الشعور الانساني العام انه لاقيمة لاي شئ في الوجود وان كل شئ هو محض عبث . لان شيئا من العلم او الحضارة او الدين او الفن او الانسانية لم تمنع الانسان من هذه الوحشية التي انحدر اليها . وتحت هذه القناعة تأكد وجود الاتجاه العبثي الذي كان قد اطل برأسه عقب الحرب العالمية الاولى . و بعد ان فقدت كل الاشكال الفنية التقليدية قدرتها على الاقناع كان لابد من الخروج والتمرد على المسرح والادب التقليدي . اي ان ادب اللامعقول كان رفضا وتمردا على الادب التقليدي وكل الاشكال الفنية التقليدية . او كما يقول الدكتور/ محمود السمرة ان ادب اللامعقول هو حلقه من سلسلة ثورات على المفهوم التقليدي للادب والفن . ودعوة الى كسر القاعدة وبناء الغريب في سبيل تصوير الانسان الضائع الذي لا يعرف مصيره ولا يجد للحياة اي معنى . ويغلب على مسرح العبث وادب اللامعقول سمات هي اللامنطقية وانعدام الحبكة ، الافكار غير المتسلسلة وغير المنطقية ، المزج بين التراجيديا والكوميديا (التراجيكوميديا) .

فالاولي تعبر عن القوى الكونية المتحكمة في الانسان بينما تعبر الكوميديا عن حال الانسان امام هذه القوى ، وفي اللامعقول ايضا لا يوجد زمان و لا مكان ، وهو يتخلي عن الانسان النموذج “البطل” ليحل محله انسان نكرة تافه ، كما لا يوجد صراع ولا عقدة درامية لها بداية ووسط ونهاية . ولا يوجد تتابع او تسلسل زمني للاحداث . والاتجاه العبثي يعتمد كثيرا على الرمز ولا يقدم حلا بل صراع مفتوح بلا بداية ولا نهاية . ويمكن القول ان اتجاه اللامعقول يعنى اكثر بالعقل الباطن . وهو يعتبر الحياة كارثه ومأساة ألمت بصاحبها ولهذا فالموت ليس سيئا تماما في ادب اللامعقول.

ولا يعد احمد خالد توفيق اول من كتب ادب اللامعقول او العبث . فقد سبقه اخرين مثل : توفيق الحكيم في ( مسرحية طالع الشجرة ) يوسف ادريس ( الفرافير _ المهزلة الارضية ) صلاح عبد الصبور ( المسرحية الشعرية مسافر ليل ) ولكن هؤلاء جميعا كتبوا ادب اللامعقول في الستينات وكانت الحياة وقتها معقولة تماما وهو ما يجعل الاتجاة العبثي وقتهم مجرد موضة او تقليد للغرب .

ومن هنا تأتي عبقرية احمد خالد توفيق حيث استدعى اتجاه اللامعقول بعد ان دخلت مصر بالفعل مرحلة العبث واللا معقول السياسي والاقتصادي والاجتماعي . حيث قلة لا تزيد علي 2% من الشعب تستولى على الوطن باكمله وتعتصر خيرات الارض وطاقات البشر لمصلحتها وحدها . ومع الوقت توحشت ولم تعد تقنع الا بافتراس الشعب و مص دمه . والاستيلاء على نصيبه من الدخل القومي مع تخلي الحكومة نهائيا عنه . هذا ما تنفذه السياسية المصرية بخطى حثيثة منذ عهد مبارك . وقد سبقهم الكاتب الى النهايات المأساوية قبل ان يصلوا اليها بفضل فهمه العميق لسياسة المحافظين الجدد وما تسببه من كوارث . وبفضل الخيال الجامح الذي صنع حياة مخيفة تصدم المتلقي .

ومعنى ذلك ان توفيق بحسه الادبي المرهف ادرك ان الاشكال التقليدية من الاداب و الفنون فقدت قدرتها الاقناعية . وان عليه لكي يصل الى جيله ان يلجأ لاشكال صادمة . ولم تمنعه لغته المفككه احيانا والخبرية اكثر منها ادبية احيانا اخرى من الوصول لجيله . وذلك لسببين اولهما ان في هذا الجيل من تخرج في الجامعة ويرتكب اخطاء املائية . كما انه جيل لا يعبأ باللغة ويستخدم كلمات مختصرة على السوشيال ميديا تبدو احيانا كالشيفرة . وثانيهما ان اتجاه العبث او اللامعقول الذي استعاده توفيق لا يعبأ اصلا باللغة بل يتمرد عليها هي نفسها . ولا يثق بها كأداة اتصال بين البشر ويراها عاجزة عن النفاذ الى الاعماق فلا تحمل الا كل ما هو سطحي . ولغة اللامعقول او العبث قد تكون مشوشة او بكلمات متناقضه المعنى مع بعضها . حتى قيل بحق ان مسرح العبث يذهب الى ما وراء اللغة . كما ان الحوار العبثي يأتى مبتورا غامضا وغير موضوعي ليكون تأكيدا على عدم صلاحية اللغة للتواصل .

وفي النهاية فان احمد خالد توفيق يعد تعبيرا دقيقا للغاية عن جيله الغير مرغوب فيه . حتى انه برز من خارج المؤسسة الرسمية مستغلا الميديا الجديدة والتي هي سمة هذا الجيل . ومن الممكن اعتباره اديب السياسيين اذ تتبع مذهب اقتصادي هو النيوليبرالي المطبق في مصر وراح يرسم شكل الحياة طبقا له . وبالفعل استبق الكاتب النظام وكشف جنون وكارثية سياسة المحافظين الجدد . فتنبأ بان الاثرياء الفاسدين مختطفي الوطن سيهربون الى مدينة جديدة يختبئون فيها من غضبة الجياع . ان روايته يوتوبيا تعد صيحة لايقاظ الغافلين قبل ان تطحنهم سياسة النيوليبرالي . ومن ناحية الشكل الفني فقد استخدم مدرسة اللامعقول وكانت مناسبة تماما له وللموضوع وللحظة الكارثية التي يعيشها المصريين الان حيث فقدت كل الاشكال الفنية قدرتها على الاقناع . يرحم الله الاديب المناضل احمد خالد توفيق .

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock