35 سنة على “جمول”: ماذا فعلنا للمقاومين؟

“يعبرون الجسر في الصبح خفافاً.. أضلعي إمتدت لهم جسرا وطيد”…

هي كلمات في قصيدة للشاعر اللبناني خليل حاوي، ولكنها اذا ما قيست على مقياس التضحيات، تبقى عاجزة عن إعطاء مقاومين ومناضلين ضد العدو الإسرائيلي حقهم في زمن إختلط على الكثيرين فيه مفهوم النضال وماهية العمل المقاوم..

كان العدو الإسرائيلي يظن أن إحتلال لبنان نزهة. ذلك كان يشكل قناعة لدى قادة هذا العدو. ولكن الأمر كان غير ذلك وقد قال مناحيم بيغن رئيس وزراء العدو الإسرائيلي سابقا إنه بصدد إرسال مئتي فتاة على الدراجات النارية لإحتلال لبنان.. لكنه أرسل دباباته وتقهقرت أمام إرادة مقاومين كانوا يمتلكون عزيمة أكثر متانة من صفائح “الميركافا”.

عندما انطلقت شرارة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي، كانت لبنتها ثلة من المناضلين من الأحزاب الوطنية: “الحزب السوري القومي الإجتماعي”، “الحزب الشيوعي اللبناني”، منظمة العمل الشيوعي”، “حزب البعث العربي الإشتراكي”، “حركة أمل”، الأحزاب الناصرية، مرورا بالتنظيمات الفلسطينية. وقد قدمت هذه الأحزاب الكثير من التضحيات إيمانا منها بحقها في الدفاع والمقاومة بغية تحرير الارض.

من “عملية الصنائع” أمام صيدلية بسترس التي نفّذها مناضلون شيوعيون وأدت الى مقتل وجرح عدد كبير من الصهاينة، وكانت فاتحة لعمليات أخرى من مناضلين آخرين ممن إحتضنهم “جمول” (جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية). بعدها، وفي مثل هذه الأيام تحديداً، كانت عملية “الويمبي” في شارع الحمرا التي نفّذها الشهيد خالد علوان والتي أدت الى مقتل ضابطين إسرائيليين.

ثم في شهر نيسان، نفذت إبنة بلدة عنقون في الجنوب المناضلة سناء محيدلي عمليتها على معبر باتر في عملية استشهادية تاريخية. سناء كانت النموذج للفتاة اللبنانية المقاومة التي تشاطر الرجل هم المقاومة والنضال.

نجحت الأحزاب في تحقيق انتصارات متتالية، بعض تلك الأحزاب دخل التاريخ من بوابة المقاومة الوطنية، وبعض رموز تلك الأحزاب سجّلوا أسماءهم في التاريخ، وبعض المقاومين صاروا رموزاً وطنية بعد استشهادهم أو بعد تحريرهم من الأسر… ولكن ماذا عن المناضلين الذين قاتلوا الاحتلال وكانوا على استعداد لتقديم أنفسهم شهداء في سبيل إيمانهم بالقضية، ولكنهم كانوا جنوداً مجهولين في المقاومة.. واستمروا مجهولين بتضحياتهم؟

يقول أحد المقاومين في تلك المرحلة “العم محمد” وهو من صفوف “الحزب القومي” لـ”الرقيب” : “كنا مؤمنين بهذه الارض ومتحمسين للتحرير، وكنا نرى فيما نقوم به عملا مقدساً… ولكن، حصل التحرير ونال كثر جوائز واوسمة ومكاسب، أما نحن فبقينا في الظلام كما كنا أيام العمل المقاوم.

لا أحد يسأل عنا، لا دولتنا ولا حتى أحد من الأحزاب التي قاتلنا تحت لوائها”.

يتابع “العم محمد” بحرقة: “عندما أتحدّث أمام أولادي عن ذلك المجد الذي صنعناه، يجيبوني بأسى: المقاومة لم تسال عنك، لقد أهملتك.. للأسف ما يقولونه لي صحيح. لم ينظر الينا أحد وكأننا كنا في شركة ولسنا في أحزاب وظيفتها وواجبها حماية المقاومين والسؤال عنهم وعن عائلاتهم”.

مناضل آخر صار اليوم في السبعين من عمره، يحكي قصته وهو من المناصلين السابقين والأسرى في معتقل أنصار.

يقول بفخر: “للأسف نحن في زمن تعطلت فيه منظومة الوفاء والقيم. ماذا أفعل أنا بإبني المجاز والذي لا يعثر على عمل من دون واسطة؟ هل مكافأتنا على نضالنا هي إذلالنا على ابواب الأحزاب الطائفية؟ لا نريد شيئا مقابل نضالنا فنحن ناضلنا عن قناعة تامة. لا نريد سوى الكرامة التي من أجلها ناضلنا”.

يروي أحد المناضلين الذين ساهموا في حفر نفق أنصار كيف تم حفر ذلك النفق وكيف أن “هذا الإنجاز كلف الكثير من الوقت والجهد والذي أذهل الجيش الإسرائيلي”.. لكنه اليوم يعاني من صعوبات معيشية وعدم قدرة على تأمين الدواء.

تلك نماذج لمقاومين حملوا يوماً أرواحهم على أكفهم من أجل قضية آمنوا بها وكانوا يفتشون عن التضحية في سبيلها، قضية مقدّسة أسست لمنعطف كبير في تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فلم يعد الجيش الإسرائيلي هو الجيش الذي لا يقهر، وإنما تم إذلاله على أيدي حفنة من المقاومين الذين لم يفكروا بمستقبلهم الشخصي، وإنما بمستقبل الوطن والقضية التي آمنوا بها وناضلوا من أجلها وستستمر عنوان الصراع لكل الأمة، اي قضية  فلسطين.

لكن هؤلاء المقاومين السابقين دخلوا في النسيان والإهمال، من قبل أحزابهم اولاً، ثم من قبل المجتمع والدولة.

عندما انطلقت “جمول” قبل 35 سنة تماماً، كان النضال من دون بدل مادي.. لم تكن هناك انتخابات ولا استثمارات ولا مصالح شخصية.. من يذهب للإستشهاد لا يفتش عن ثمن في الدنيا.. لكن الانتهازيين والسماسرة بنوا أمجاداً على تضحيات هؤلاء الذين كتبوا أولى الكلمات في تاريخ لبنان المجيد.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock